الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

335

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

خوفهم من هذا الإنسان أكبر من خشيتهم الله العلي القدير . ثم يواجه القرآن هؤلاء بهذه الحقيقة : لو أنهم استطاعوا بعد تركهم الجهاد أن يوفروا لأنفسهم - فرضا - حياة قصيرة رغيدة هانئة ، فإنهم سيخسرون هذه الحياة لأنها زائلة لا محالة ، بينما الحياة الأبدية التي وعد الله بها عباده المؤمنين المجاهدين الذين يخشونه ولا يخشون سواه ، هي خير من تلك الحياة الزائلة ، وإن المتقين سيلقون فيها ثوابهم كاملا غير منقوص دون أن يصيبهم أي ظلم ، قل متاع الحياة الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ( 1 ) . من الضروري الالتفات إلى عدة نقاط في تفسير هذه الآية ، وهي : 1 - لماذا أمرت أولئك النفر بإقامة الصلاة وأداء الزكاة دون غيرهما من الفرائض الكثيرة الأخرى ؟ والجواب على هذا السؤال يتلخص في أن الصلاة هي سر الاتصال بالله سبحانه عز وجل ، والزكاة تعتبر مفتاحا لباب الاتصال بعباد الله ، وعلى هذا الأساس فقد صدرت الأوامر للمسلمين بأن يعدوا أنفسهم وأرواحهم ومجتمعهم للجهاد في سبيل الله ، عن طريقة إقامة الصلة الوثيقة بينهم وبين الله وعباده ، وبعبارة أخرى أن يسعوا إلى بناء أنفسهم وإعدادها ، وبديهي أن أي جهاد يحتاج بالضرورة إلى إعداد النفس والروح ، وإلى توثيق عرى التلاحم الاجتماعي ، وبدون ذلك لا يمكن إحراز أي انتصار . والإنسان يقوي صلته بالله من خلال الصلاة ويربي بها روحه ومعنوياته ، فيكون بذلك مستعدا لتقديم أغلى التضحيات بما في ذلك التضحية بالنفس ، كما أن الزكاة هي الوسيلة الوحيدة لرأب كل صدع اجتماعي ، بالإضافة إلى كونها دعما اقتصاديا في سبيل إعداد ذوي الخبرة والتجربة والعدة الحربية ، وما

--> 1 - الفتيل يعني الشعيرة الرفيعة جدا الموجودة بين فلقتي نواة التمر ، وقد تطرقنا إلى شرح ذلك في الآية ( 49 ) من سورة النساء وفي هذا المجلد من تفسيرنا هذا .